محمد أبو زهرة

1814

زهرة التفاسير

البذل والإنفاق في سبيل الحرب ، وهذا قعود عن الجهاد بالمال ، وهو لا يقل خطرا عن القعود والعدو قد أخذ الأهبة ، ولذلك عد القرآن الكريم البخل في هذه الحال مؤديا إلى التهلكة ، ولذلك قال تعالى : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 195 ) [ البقرة ] . ولا شك أن أكمل الجهاد ما كان بالمال والنفس ، كما هو الشأن في جهاد كثير من الصحابة ، كأبي بكر وعمر ، وعثمان ، وعبد الرحمن بن عوف ، وغيرهم من كبار الصحابة الذين كان لهم مال بذلوه ، وكان لهم بلاء في ميدان القتال ، فقاتلوا في سبيل الله بأنفسهم . والآية تشير إلى وجوب إعداد الشباب في الأمة للجهاد ، بأن يتربوا منذ طفولتهم على أساليب الحرب والنزال ، فإنه لا يسوغ استنفار طائفة إن حملت السلاح لا تستطيع الضرب ، ولذلك وردت الآثار بتعليم الشباب الرماية ، والدربة على القتال ، ويعد ذلك ضروريا من ضروريات التعليم الديني . وإذا كان الإسلام قد منع العكوف في الصوامع للعبادة وحدها ، فقد أمر الأمة كلها بالجهاد في سبيله ، أو الاستعداد له ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله » « 1 » . وإذا كانت المساواة بين القاعد والمجاهد غير سائغة في حكم العقل والشرع ، فالفضل في الدرجة للمجاهدين ؛ ولذا قال سبحانه : فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وإذا كان التساوي بين المجاهدين والقاعدين من غير ضرر يمنعهم غير مستساغ ، فإن الله تعالى فضل المجاهدين بالمال والنفس على القاعدين ذوى الضرر ، وجعلهم في درجة أعلى من القاعدين لعذر ، والمراد بالدرجة أن يكون لهم فضل أعظم ، ومكانتهم عند الله أكرم من ذوى الأعذار ؛ وذلك لأن جهاد

--> ( 1 ) سبق تخريجه .